الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

104

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتقديم المجرور للاهتمام بالوعد الذي كذبوا به ، وللرعاية على الفاصلة . [ 52 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 52 ] ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 52 ) معطوفة على جملة : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً [ يونس : 50 ] الآية . و ( ثم ) للتراخي الرتبي ، فهذا عذاب أعظم من العذاب الذي في قوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً [ يونس : 50 ] فإن ذلك عذاب الدنيا وأما عذاب الخلد فهو عذاب الآخرة وهذا أعظم من عذاب الدنيا ، فذلك موقع عطف جملته بحرف ( ثم ) . وصيغة المضي في قوله : قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مستعملة في معنى المستقبل تنبيها على تحقيق وقوعه مثل أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] . والذين ظلموا هم القائلون مَتى هذَا الْوَعْدُ [ يونس : 48 ] . وأظهر في مقام الإضمار لتسجيل وصف الظلم عليهم وهو ظلم النفس بالإشراك . ومعنى ظلموا : أشركوا . والذوق : مستعمل في الإحساس ، وهو مجاز مشهور بعلاقة الإطلاق . والاستفهام في هَلْ تُجْزَوْنَ إنكاري بمعنى النفي ، ولذلك جاء بعده الاستثناء إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ . وجملة : هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ استئناف بياني لأن جملة : ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ تثير سؤالا في نفوسهم عن مقدار ذلك العذاب فيكون الجواب على أنه على قدر فظاعة ما كسبوه من الأعمال مع إفادة تعليل تسليط العذاب عليهم . [ 53 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 53 ] وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 53 ) هذا حكاية فن من أفانين تكذيبهم ، فمرة يتظاهرون باستبطاء الوعد استخفافا به ، ومرة يقبلون على الرسول في صورة المستفهم الطالب فيسألونه : أهذا العذاب الخالد ، أي عذاب الآخرة ، حق . فالجملة معطوفة على جملة وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ [ يونس : 48 ] ، وضمير الجمع عائد إليهم فهم المستنبئون لا غيرهم ، وضمير ( هو ) عائد إلى عَذابَ الْخُلْدِ [ يونس : 52 ] . والحق : الثابت الواقع ، فهو بمعنى حاقّ ، أي ثابت ، أي أن وقوعه ثابت ، فأسند